تتقدّم ​العودة التدريجية​ للأهالي إلى القرى والبلدات الجنوبية مع تثبيت ​وقف إطلاق النار​ واتساع هامش الاستقرار الميداني، لتتحوّل هذه الخطوة من مجرد نهاية للنزوح إلى ملف سياسي وإنمائي متكامل يختبر قدرة الدولة ال​لبنان​ية على مواكبة مرحلة ما بعد الحرب.

لا يكفي وقف الحرب وفتح الطرقات لتأمين العودة؛ فالأساس يكمن في مدى توافر الحد الأدنى من المقوّمات التي تُتيح للسكان استعادة حياتهم وبقاءهم في مناطقهم بصورة مستقرة.

وخلال الأشهر الماضية، شكّلت الاعتبارات الأمنية العاملَ الأساسي الذي حكم مسار العودة، إذ ظلّت المخاوف من تجدد التصعيد أو حدوث خروقات ميدانية حاضرةً في أذهان كثير من العائلات. بيد أن التقدّم على صعيد تثبيت وقف النار، وما رافقه من اتصالات سياسية وإقليمية لضمان استمراره، دفع أعداداً متزايدة من الأهالي إلى اتخاذ قرار العودة رغم حجم الدمار الذي لحق بمنازلهم ومصادر رزقهم.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في قرار العودة بحدّ ذاته، بل في الظروف المحيطة بها. فكثير من القرى الجنوبية لا تزال تعاني أضراراً واسعة في بنيتها التحتية، سواء على صعيد شبكات الكهرباء والمياه أو الطرقات والخدمات العامة. فضلاً عن ذلك، يحتاج عدد كبير من المؤسسات التربوية والصحية إلى أعمال ترميم وتأهيل تُمكّنها من استئناف عملها، مما يجعل العودة الكاملة والمستقرة رهينةَ سرعة إنجاز هذه الملفات.

ومن هنا يبرز الدور المنوط بالدولة اللبنانية بوصفها الجهة المعنية بتأمين متطلبات الصمود والاستقرار. فالأهالي العائدون إلى قراهم يبحثون عن ​خدمات أساسية​ تضمن لهم مواصلة حياتهم اليومية، لذا تغدو إعادة تشغيل الإدارات الرسمية والمراكز الصحية والمدارس وشبكات الخدمات العامة ركيزةً أساسية لتثبيت العودة ودرء موجات نزوح جديدة قد تفرضها الظروف المعيشية القاسية.

وتشير المعطيات المتداولة في الأوساط المعنية بملف الإعمار إلى أن حجم الاحتياجات يفوق الإمكانات الماليّة للدولة اللبنانية التي تعاني أصلاً أزمةً اقتصادية ومالية غير مسبوقة. يستلزم ذلك البحث عن مصادر تمويل خارجية و​دعم دولي​ وعربي للمساهمة في ​إعادة تأهيل​ المناطق المتضررة، بالتوازي مع وضع خطة حكومية واضحة تحدد الأولويات وتُحصّن القرارات من الاستنساب السياسي في توزيع المساعدات.

وإضافة الى الجانب الخدماتي، يبرز البعد الاقتصادي للعودة عاملاً حاسماً في نجاحها. فكثير من أبناء الجنوب يعتمدون على ​الزراعة والتجارة​ والأعمال الصغيرة مصدرَ رزق رئيسياً، وقد تضرّرت هذه القطاعات بصورة كبيرة إبان الحرب. لذا، فإن برامج دعم القطاع الزراعي وتعويض المتضررين وإعادة تحريك الدورة الاقتصادية المحلية تُشكّل جزءاً لا يتجزأ من أي خطة جدية لإعادة الحياة إلى القرى والبلدات الجنوبية.

والحضور الفعلي للدولة يُقاس بقدرتها على بناء ثقة المواطنين بأنها شريك حقيقي في مرحلة ما بعد الحرب. فالتجارب السابقة أثبتت أن المناطق التي تعرّضت لاعتداءات واسعة كانت تعتمد في الغالب على المبادرات المحلية وجهود الهيئات الأهليّة والحزبيّة لسد الفراغ الناجم عن ضعف الإمكانات الرسمية. أما اليوم فإن المرحلة الجديدة تفرض مقاربة مغايرة تقوم على شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع المحلّي والجهات المانحة، بما يكفل استدامة العودة ويحوّلها إلى فرصة لإعادة النهوض بالمناطق المتضررة.

وفي ظل التفاهمات السياسية والإقليمية التي أتاحت وقف الحرب، تُشكّل العودة إلى الجنوب اختباراً فعلياً لقدرة الدولة على الإدارة. فكلّما نجحت في تأمين الخدمات الأساسية وتسريع إعادة التأهيل وتوفير مقوّمات العيش الكريم، تعزّزت فرص تجذير السكان في أرضهم وتحويل وقف إطلاق النار إلى استقرار طويل الأمد. أما إذا بقيت العودة حبيسة الجهود الفردية وإرادة الأهالي وحدها، فإن التحديات المعيشية والخدمية ستظل ضاغطةً تهدّد بتحويل هذه العودة إلى مسار هشّ يحتاج باستمرار إلى من يحميه ويحصّنه.